بلّغ ولو آية ..

وقفات تدبرية
سامح سعيد - مصر وقفة تدبرية

في سورة النحل قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ هذا من عكس التشبيه، إذْ مقتضَى الظاهر العكسُ، لأن الخطابَ لعُبَّادِ الأوثان حيثُ سموها آلهةً تشبيهًا به تعالى، فجعلوا غيرَ الخالقِ كالخالق، فَخُولف في خطابهمِ، لأنهم بالغوا في عبادتها، حتَّى صارت عندهم أصلًا في العبادة، والخالقُ فرعًا، فجاء الِإنكار على وَفقِ ذلك، ليفهموا المراد على معتقدهم. إن قلتَ: المرادُ بـ (مَنْ لَا يَخْلُقُ) الأصنام، فكيف جيء بـ (مَنْ) المختصَّة بأولي العلمِ؟! قلتُ: خاطبهم على معتقدهم؛ لأنهم سمَّوها آلهةً وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم، ونظيرهُ قولُه تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 195].


محمد - مصر مقترح عام

اربط حتى لا تنسى: 1- ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]. 2- ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ...﴾ [المائدة: 89]. ❊ في البقرة: (كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، وفي المائدة: (عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)، فالربط هنا: أن (عَقَّدْتُمْ) جاءت في سورة المائدة، وهي تسمى سورة (العقود)، وهي تبدأ بـ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...﴾ [المائدة: 1]. ❊ ربط آخر: في البقرة لم تذكر كفارة؛ لأنه لم يقصد الحلف بقلبه، فناسب أن يَرُدَّ أمر اليمين إلى أصلها، وهي القلوب، فقال: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، أما في المائدة فقد ذكر الله كفارة اليمين المنعقدة: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ ...)؛ فناسب أن يذكر المؤاخذة على ما انعقد من الأيمان: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَنَ).


قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ولم يقل (مالك الدين)؛ لتعريفنا بأن للدين يومًا ممتازًا عن سائر الأيام، وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله، ويوفي جزاءه.


آيتان مُتشابهتان بخاتمتين مُختلفتين: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿وإن تَعُدُّوا نعمة الله لا تُحصُوها إنّ الله لغفورٌ رحيم﴾ [النحل: 18]، الأولى: خُتِمَت بتعامُل الإنسان مع الله، والثانية: خُتِمت بتعامل الله مع العبد.


﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ إن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدير بدن هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أنَّ الإنسان لا علم له بوجود ذلك فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟