يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ( جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) أي:ماكثين فيها أبدا ، ( ومساكن طيبة ) أي:حسنة البناء ، طيبة القرار ، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني ، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، عن أبيه قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن .
وبه قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلا في السماء ، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم ، لا يرى بعضهم بعضا أخرجاه .
وفي الصحيحين أيضا ، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة وصام رمضان ، فإن حقا على الله أن يدخله الجنة ، هاجر في سبيل الله ، أو جلس في أرضه التي ولد فيها . قالوا:يا رسول الله ، أفلا نخبر الناس ؟ قال:إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمن .
وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه ، من رواية زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -:سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول . . . فذكر مثله .
وللترمذي عن عبادة بن الصامت ، مثله .
وعن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة في الجنة ، كما تراءون الكوكب في السماء . أخرجاه في الصحيحين .
ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له:"الوسيلة "لقربه من العرش ، وهو مسكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنة ، كما قال الإمام أحمد [ بن حنبل] .
حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن ليث ، عن كعب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة ، قيل:يا رسول الله ، وما الوسيلة ؟ قال:أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد ، وأرجو أن أكون أنا هو .
وفي صحيح مسلم ، من حديث كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أني أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة .
[ وفي صحيح البخاري ، من حديث محمد بن المنكدر ، عن جابر قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:من قال حين يسمع النداء:اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة] .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا أحمد بن علي الأبار ، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني ، حدثنا موسى بن أعين ، عن ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ابن عباس قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:سلوا الله لي الوسيلة ، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو شفيعا - يوم القيامة .
وفي مسند الإمام أحمد ، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي ، عن أبي مدلة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:قلنا:يا رسول الله ، حدثنا عن الجنة ، ما بناؤها ؟ قال:لبنة ذهب ، ولبنة فضة ، وملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران ، من يدخلها ينعم لا يبأس ، ويخلد لا يموت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه .
وروي عن ابن عمر مرفوعا ، نحوه .
وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد ، عن علي - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها ، وبطونها من ظهورها . فقام أعرابي فقال:يا رسول الله ، لمن هي ؟ فقال:لمن طيب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام .
ثم قال:حديث غريب .
ورواه الطبراني ، من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري ، كل منهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه وكل من الإسنادين جيد حسن ، وعنده أن السائل هو "أبو مالك "، فالله أعلم .
وعن أسامة بن زيد قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:ألا هل مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها ، هي - ورب الكعبة - نور يتلألأ وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام في أبد ، في دار سليمة ، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية . قالوا:نعم يا رسول الله ، نحن المشمرون لها ، قال:قولوا:إن شاء الله . فقال القوم:إن شاء الله . رواه ابن ماجه .
وقوله تعالى:( ورضوان من الله أكبر ) أي:رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم ، كما قال الإمام مالك - رحمه الله - عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:إن الله - عز وجل - يقول لأهل الجنة:يا أهل الجنة ، فيقولون:لبيك يا ربنا وسعديك ، والخير في يدك . فيقول:هل رضيتم ؟ فيقولون:وما لنا لا نرضى يا رب ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك . فيقول:ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون:يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول:أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا أخرجاه من حديث مالك .
وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي:حدثنا الفضل الرخامي ، حدثنا الفرياني ، عن سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله - عز وجل -:هل تشتهون شيئا فأزيدكم ؟ قالوا:يا ربنا ، ما خير مما أعطيتنا ؟ قال:رضواني أكبر .
ورواه البزار في مسنده ، من حديث الثوري ، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "صفة الجنة ":هذا عندي على شرط الصحيح ، والله أعلم .