الآية التالية ترد على المشركين بجواب قاطع حازم ،وتذكّرهم بأنّ الإنسان إذا اتّبع أمراً أو تعلّق بأمر ،فيجب أن يكون هناك دليل عقلي على هذا الأمر ،أو دليل نقلي ثابت ،وأنتم أيّها الكفّار حيث لا تملكون أيّاً من الدليلين فليس لديكم سوى المكر والغرور .
تقول الآية الكريمة: ( قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ){[3636]} فهل خلقوا شيئاً في الأرض .أم شاركوا الله في خلق السماوات ؟!
ومع هذا الحال فما هو سبب عبادتكم لها ،لأنّ كون الشيء معبوداً فرع كونه خالقاً ،فما دمتم تعلمون أنّ خالق السماوات والأرض هو الله تعالى وحده ،فلن يكون هناك معبود غيره ،لأنّ توحيد الخالقية دليل على توحيد العبودية .
والآن بعد أن ثبت أنّكم لا تملكون دليلا عقلياً على ادّعائكم ،فهل لديكم دليل نقلي ؟( أم آتيناهم كتاباً فهم على بيّنة منه ) .
كلاّ ،فليس لديهم أي دليل أو بيّنة أو برهان واضح من الكتب الإلهية ،إذاً فليس لديهم سوى المكر والخديعة ( بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلاّ غروراً ) .
وبتعبير آخر ،إذا كان لعبدة الأوثان وسائر المشركين من كلّ مجموعة وكلّ صنف إدّعاء بقدرة الأصنام على تلبية مطالبهم ،فعليهم أن يعرضوا نموذجاً لخلقهم من الأرض ،وإذا كانوا يعتقدون أنّ تلك الأصنام مظهر الملائكة والمقدّسين في السماءكما يدّعي البعضفيجب أن يقيموا الدليل على أنّهم شركاء في خلق السماوات ..وان كانوا يعتقدون بأنّ هؤلاء الشركاء ليس لهم نصيب في الخلقة ،بل لهم مقام الشفاعةكما يدّعي البعضفيجب أن يأتوا بدليل على إثبات ذلك الإدّعاء من الكتب السماوية .
والحال أنّهم لا يملكون أيّاً من هذه البيّنات ،فهم مخادعون ظالمون ليس لهم سوى المكر وخديعة بعضهم البعض .
الجدير بالملاحظة أيضاً هو المقصود ب «الأرض والسموات » هنا هو مجموعة المخلوقات الأرضية والسماوية ،والتعبير ب ( ماذا خلقوا من الأرض ) و ( شرك في السموات ) إشارة إلى أنّ المشاركة في السماوات إنّما يجب أن تكون عن طريق الخلق .
وتنكير «كتاباً » ،مع استناده إلى الله سبحانه ،إشارة إلى أنّه ليس هنا أدنى دليل على ادّعائهم في أي من الكتب السماوية .
«بيّنة » إشارة إلى دليل واضح من تلك الكتب السماوية .
«ظالمون » تأكيد مرّة اُخرى على أنّ «الشرك » «ظلم » واضح .
«غرور » إشارة إلى أنّ عبدة الأوثان أخذوا هذه الخرافات بعضهم من بعض ،وتلاقفوها إمّا على شكل شائعات ،أو تقاليد من بعضهم الآخر .
ملاحظة
الصغير والكبير سيّان أمام قدرة الله !
الملفت للنظر أنّ الآيات أعلاه ذكرت أنّ السماوات تستند إلى قدرة الله في ثباتها وبقائها ،وفي آيات اُخرى من القرآن ورد نفس التعبير فيما يخصّ حفظ الطيور حال طيرانها في السماء .( ألم يروا إلى الطير مسخّرات في جوّ السماء ما يمسكهنّ إلاّ الله ،إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) .
ففي موضع يشير إلى أنّ خلق السموات الواسعة دليل على وجوده تعالى ،وفي موضع آخر يعتبر خلق حشرة صغيرة كالبعوضة دليلا على ذلك .
حيناً يقسم بالشمس لأنّها منبع عظيم للطاقة في عالم الوجود ،وحيناً يقسم بفاكهة مألوفة كالتين .
كلّ ذلك إشارة إلى أنّه لا فرق بين كبير وصغير أمام قدرة الله .
أمير المؤمنين عليه أفضل الصلوات والسلام يقول: «وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء » .
إنّ هذه الأشياء جميعها تشير إلى شيء واحد ،وهو أنّ وجود الله سبحانه وتعالى ،وجود لا متناه من جميع الجهات ،والتدقيق في مفهوم «اللامتناهي » يثبت هذه الحقيقة بشكل تامّ ،وهي أنّ مفاهيم مثل «الصعب » و «السهل » و «الصغير » و«الكبير » و «المعقّد » و «البسيط » لها معنى بحدود الموجودات المحدودةفقطولكن حينما يكون الحديث عن قدرة الله تعالى المطلقة فإنّ هذه المفاهيم تتغيّر بشكل كلّي وتقف جميعاً في صفّ واحد بدون أدنى تفاوت فيما بينها «دقّق النظر !!» .